حينما نتدبر في سورة هود أو سائر السور القرآنية التي تقص علينا رسالة الأنبياء السابقين (ع) نجد أنهم يتحدون الفساد بكل ألوانه . وبالذات الفساد الذي كان مستشرياً في قومهم ، ويعتبرون كل فساد سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو فكري ينتهي إلى الضلالة أو الشرك أو الكفر وكانوا (ع) يذكِّرون الناس بالله ويحذِّرونهم عذابه في الدنيا وعقابه في الآخرة ، لأن هذا هو السبيل لإصلاح الإنسان وردعه عن الفساد بكل ألوانه .
وسار الأئمة (ع) على طريق الأنبياء ، حاربوا كل ألوان الفساد ، بذات الوسيلة ، والإمام الرضا (ع) كأجداده قاد المخلصين من أبناء الأمة في هذا السبيل وتحمل الأذى في سبيل الله .
لقد رفض الاعتراف بالسلطة الجاهلية التي بناها العباسيون باسم الإسلام واعتبرها سلطة غاصبة ظالمة فاسدة جملةً وتفصيلاً .
وناهض التيارات الفكرية المخالفة لأصول الشريعة ، وقاوم الفساد الخلقي في الأمة وذلك بنشر تعاليم الدين الحنيف .
ولم يكن الإمام وحده في مواجهة ذلك الفساد العريض ، بل كانت صفوة الأمة وخيرة العلماء والحكماء والقادة المخلصين وهم شيعة أهل البيت (ع) يتبعونه في ذلك .
وقد قرأنا معاً كيف وبأي أسلوب كان الأئمة يقودون الأمة ، ولكن هنا ينبغي أن نتحدث قليلاً عما أثار التساؤل عند المؤرخين ، وهي نقطةٌ مضيئةٌ - في رأينا - تلمع في حياة الإمام الرضا ، ومنعطف أساسي في حركة الشيعة وهي قبول الإمام بولاية عهد المأمون .
وقبل كل شيء نتساءل عن الأسباب التي دفعت الخليفة العباسي للإقدام على هذه الخطوة الجريئة .
لماذا قبل الإمام الرضا (ع) ولاية عهد المأمون ، وإذا كان مضطراً إلى ذلك فكيف استجاب لتحديه ؟
قبل أن نجيب عن هذا السؤال لابد أن نلقي نظرة إلى واقع الحركة الرسالية عندما تولى الرضا مركز الإمامة من بعد والده الإمام الكاظم ( عليهما السلام ) .
في حديث شريف : كان من المقدر أن يكون الإمام موسى بن جعفر هو قائم آل محمد (ص) إلاّ أن الشيعة أذاعوا الأمر فبدا لله فتأخر إلى أجل غير مسمى .
وهذا يعني أن الحركة الرسالية كادت تبلغ يومئذ إلى مستوى التصدي لشؤون الأمة . وبالرغم من أن الإمام الكاظم (ع) قضى نحبه في سجن هارون مسموماً ، إلاّ أن الحركة لم تصب بأذى كثير كما نستفيد ذلك من حديث شريف .
وهكذا كانت إمامة الإمام الرضا (ع) واحدة من فرصتين :
الأولى : القيام بحركة مسلحة قد تنتهي إلى دمار الحركة .
الثانية : الإستجابة لتحدي المأمون بقبول ولاية العهد للعمل من خلال السلطة دون إعطاء شرعية لها، كما فعل النبي يوسف حينما طلب من عزيز مصر بأن يجعله على خزائن الأرض . ثم قام بما استطاع إليه سبيلا ، من الإصلاح من داخل النظام ..
وكما فعل الإمام أمير المؤمنين (ع) مع الخلفاء الذين سبقوه عندما قبل بالدخول في الشورى كواحد من ستة أعضاء .
وأقل ما في هذه الفرصة الثانية أنها تشكل حماية للحركة الرسالية من التصفية ، والقبول بها كحركة معارضة رسمية .
وهكذا نعرف أن الإمام لم يترك قيادته للحركة الرسالية - بل استفاد من مركزه الجديد ، كما استفاد الشيعة لدعم مسيرة حركتهم الرسالية التي فرضت نفسها على النظام فرضاً .
ولتحقيق هذه الغايات اتبع الإمام النهج التالي :
أولاً : امتنع عن قبول الخلافة التي عرضها عليه المأمون أولاً ، ولعل السبب في رفض الخلافة كان أمرين :
ألف : إن تلك الخلافة كانت ثوباً خاصاً بأمثال المأمون وإنها لا تليق بحجة الله البالغة ، لأن بنائها كان قائماً على أساس فاسد ، جيشها ونظامها وقوانينها وكل شيء فيها ، ولو قبل الإمام بها كان عليه أن يهدمها ويبنيها من جديد ولم يكن ذلك أمراً ممكناً في تلك الظروف .
بـاء : إن المأمون لم يكن صادقاً في عرضه ، فهو كان يدبر حيلة مع حزبه الماكر للإيقاع بالإمام إن قبــــل ، بعد أخذ الشرعية منه ، كما فعل بالنسبة إلى ولاية العهد .
ثانياً : اشترط في قبوله لولاية العهد ألاّ يتدخل في شؤون الدولة من قريب أو بعيد ، مما أفقدهم القدرة على تمشية الأمور باسم الإمام وكسب الشرعية له وأبان للعالمين ذلك اليوم وللتاريخ إلى الأبد أنه لا يعترف بشرعية النظام بأي وجه . وقد حاول المأمون مراراً أن يستدرج الإمام للتدخل في الشؤون فلم يقبل والحديث التالي يدل على ذلك : إن المأمـــون لمّا أراد أن يأخذ البيعة لنفسه بإمرة المؤمنين ، وللرضا (ع) بولاية العهــد ، وللفضــــل بــــن
سهل بالوزارة ، أمر بثلاثة كراسي فنصبت لهم ، فلما قعدوا عليها أذن للناس ، فدخلوا يبايعون فكانوا يصفقون بأيمانهم على أيمان الثلاثة من أعلى الإبهام إلى الخنصر ويخرجون حتى بايع في آخر الناس فتى من الأنصار فصفق بيمينه من الخنصر إلى الإبهام ، فتبسم أبو الحسن الرضا (ع) ثم قال : " كل من بايعنا بايع بفسخ البيعة غير هذا الفتى فإنه بايعنا بعقدها " .
فقال المأمون : وما فسخ البيعة من عقدها ؟ قال أبو الحسن (ع) : " عقد البيعة هو من أعلى ا لخنصر إلى أعلى الإبهام وفسخها من أعلى الإبهام إلى أعلى الخنصر " .
قال : فماج الناس في ذلك وأمر المأمون بإعادة الناس إلى البيعة على ما وصفه أبو الحسن (ع) وقال الناس : كيف يستحق الإمامة من لا يعرف عقد البيعة ، إن من علم لأولى بها ممن لا يعلم ، قال : فحمله ذلك على ما فعله من سمه 39 .
ثالثاً : منذ الأيام الأولى لولايته للعهد انتهز الإمام كل فرصة ممكنة لنشر بصائر الوحي ، وأظهر أنه أحق بالخلافة من غيره ، فمثلاً نقرأ في وثيقة ولايته للعهد ما يدل على أن المأمون إنما عمل بواجبه في الأحتفاء بأهل بيت الرسالة ، دعنا نقرأ ونتدبر معاً الوثيقة التالية : " بسم ا لله الرحمن الرحيم الحمد لله الفعّال لما يشاء لا معقب لحكمه ، ولا راد لقضائه ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وصلى الله على نبيّه محمد خاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين .
أقول وأنا علي بن موسى بن جعفـر أن أمير المؤمنين عضّده الله بالسداد ووفقَّه للرشاد ، عرف من حقنا ما جهله غيره ، فوصل أرحاماً قطعــت ، وآمن نفوساً فزعت ، بل أحياها وقد تلفت ، وأغناها إذ افتقرت ، مبتغياً رضى رب العالمين ، لا يريد جزاء من غيره ، وسيجزي الله الشاكرين ولا يضيع أجر المحسنين .
وإنه جعل إلي عهده ، والأمرة الكبرى إن بقيت بعده ، فمن حل عقدة أمر الله بشدها ، وقصم عروة أحب الله إيثاقها ، فقد أباح حريمه ، وأحل محرمة ، إذ كان بذلك زارياً على الإمام ، منتهكاً حرمة الإسلام ، بذلك جرى السالف ، فصبر منه على الفلتات ، ولم يعترض بعدها على العزمات خوفاً على شتات الديـــن ، واضطراب حبل المسلمين ، ولقرب أمر الجاهلية ، ورصد فرصة تنتهز ، وبائقة تبتدر .
وقد جعل لله على نفسي أن استرعاني أمر المسلمين ، وقلَّدني خلافته ، والعمل فيهم عامة وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصة بطاعته وطاعة رسوله (ص) وأن لا أسفك دماً حراماً ولا أبيح فرجاً ، ولا مالاً إلاّ ما سفكته حدوده ، وأباحته فرائضه ، وأن اتخير الكفاة جهدي وطاقتي ، وجعلت بذلك على نفسي عهداً مؤكداً يسألني الله عنه ، فإنه عزّ وجلّ يقول : { وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤولاً } ( الاسراء / 34 ) .
وإن أحدثت أو غيّرت أو بدَّلت كنت للغير مستحقاً ، وللنكال متعرضاً ، وأعوذ بالله من سخطه ، وإليه أرغب في التوفيق لطاعته ، والحول بيني وبين معصيته في عافية لي وللمسلمين .
والجامعة والجفر يدلان على ضد ذلك ، وما أدري ما يفعل بي ، ولا بكم إن الحكم إلاّ لله يقضي بالحق وهو خير الفاصلين .
لكني امتثلت أمر أمير المؤمنين ، وآثرت رضاه ، والله يعصمني وإياه ، وأشهدت الله على نفسي بذلك ، وكفى بالله شهيداً " 40 .
وهناك بصائر نستوحيها من كلمات الرضا المضيئة :
أولاّ : قوله (ع) : " عرف من حقنا ما جهله غيره إلخ " .
حيث عرّض بهارون والد المأمون ، وبالنظام العباسي كله ، الذين لم يرعوا حرمة رسول الله (ص) .
ثانياً : إنه قال : فمن حل عقدة أمر الله بشدها إلخ ، إشارة إلى خبث السرائر ، وحبك المؤامرات ضد الولاية .
ثالثاً : قوله : بذلك جرى السالف إلى آخره ، لعله إشارة إلى سكوت الإمام أمير المؤمنين عن جهة أو صبر الأئمة على الأذى خوفاً على شتات الدين واضطراب حبل المسلمين .
رابعاً : ثم بيان برنامجه للحكم الذي يخالف ما كان عليه عامة بني العباس ، وبضمنهم المأمون ذاته .
خامساً : وقال أخيراً : والجامعة والجفر يدلان على ضد ذلك ، حيث بيّن بذلك أنهم أصحاب علم رسول الله وأنهم أحق بالأمر منهم .
وعندما تهيء الناس للبيعة لفت الإمام نظره إلى أن طريقتهم للبيعة خاطئة مما أثار زوبعة في الناس ، دعنا نستمع إلى الحديث التالي الذي جرى بين المأمون والإمام (ع) : " يا أبا الحسن أنظر بعض من تثق به توليه هذه البلدان ، التي قد فسدت علينا ، فقلت له : تفي لي وأفي لك ، فإني إنما دخلت فيما دخلت على أن لا آمر فيه ولا أنهى ، ولا أعزل ولا أولي ولا أسير حتى يقدمني الله قبلك ، فوالله إن الخلافة لشيء ما حدثت به نفسي ، ولقد كنت بالمدينة أتردد في طرقها على دابتي ، وإن أهلها وغيرهم يسألوني الحوائج فاقضيها لهم ، فيصيرون كالأعمام لي ، وإن كتبي لنافذة في الأمصار ، وما زدتني في نعمة هي علي من ربي فقال : أفي لك " 41 .
وكانت من أعظم ما بيّن فضل الإمام ، مجالس المحاجّة التي كان يعقدها بين فترة وأخرى ، ولنستعرض معاً واحداً من هذه المجالس لنرى ماذا يدور فيها : ( قال الحسن بن محمد النوفلي: فبيّـنا نحن في حديث لنا عند أبي الحسن الرضا (ع) إذ دخل علينا ياسر ، وكان يتولى أمر أبي الحسن (ع) فقال : يا سيدي إن أميري يقرؤك السلام ويقول : فداك أخوك إنه اجتمع إليَّ أصحاب المقالات ، وأهل الأديان ، والمتكلمون من جميع الملل ، فرأيك في البكور علينا إن أحببت كلامهم ، وإن كرهت ذلك فلا تتجشم ، وإن أحببت أن نصير اليك خف ذلك علينا ، فقال أبو الحسن (ع) .
" أبلغه السلام وقل له : قد علمت ما أردت ، وأنا صائر إليك بكرة إن شاء الله تعالى " 42 .
ثم بيَّن الإمام ما يدل على أن هدف المأمون من تشكيل مثل هذه المجالس ، النيل من قدر الإمام حيث يظن أنه قد يتوقف عن محاجة خصومه ولكن الإمام قال للنوفلي ( الراوي ) : يا نوفلي أتحب أن تعلم متى يندم المأمون ؟ قلت : نعم ، قال : إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم ، وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم وعلى أهل الزبور بزبورهم ، وعلى الصابئين بعبرانيتهم ، وعلى أهل الهرابذة بفارسيتهم ، وعلى أهل الروم بروميتهم ، وعلى أصحاب المقالات بلغاتهم ، فإذا قطعت كل صنف ودحضت حجته ، وترك مقالته ورجع إلى قولي ، علم المأمون أن الموضع الذي هو بسبيله ليس بمستحق له ، فعند ذلك تكون الندامة منه ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم " 43 .
ثم بيّن الحديث - بعد هذا الكلام - وضع الجلسة وقال : ( فلما دخل الرضا (ع) قام المأمون وقام محمد بن جعفر وجميع بني هاشم ، فما زالوا وقوفاً والرضا (ع) جالس مع المأمون حتى أمرهم بالجلوس فجلسوا فلم يزل المأمون مقبلاً عليه يحدثه ساعة ثم التفت إلى الجاثليق فقال : ياجاثليق هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر ، وهو من ولد فاطمة بنت نبينا وابن علي بن أبي طالب (ع) فأحب أن تكلمه وتحاجه وتنصفه ، فقال الجاثليق : يا أمير المؤمنين كيف أحاجّ رجلاً يحتجّ علي بكتاب أنا منكره ، ونبي لا أؤمن به فقال الرضا (ع) : يا نصراني فإن احتججت عليك بإنجيلك أتقرّ به ؟
فقال الجاثليق : وهل أقدر على دفع ما نطق به الإنجيل ، نعم والله اقرّ به على رغم أنفي . ثم قرأ الرضا (ع) عليه الإنجيل ، وأثبت عليه أن نبينا (ص) مذكور فيه ثم أخبره بعدد حواري عيسى (ع) وأحوالهم ، واحتج بحجج كثيرة أقرّ بها ثم قرأ عليه كتاب شعيا وغيره إلى أن قال الجاثليق : ليسألك غيري فلا وحق المسيح ما ظننت أن في علماء المسلمين مثلك . فالتفت الرضا (ع) الى رأس الجالوت واحتجَّ عليه بالتوراة والزبور وكتاب شعيا وحيقوق حتى أقحم ولم يُحِر جواباً .
ثم دعا (ع) بالهربذ الأكبر واحتجَّ عليه حتّى انقطع هربذ مكانه .
فقال الرضا (ع) : يا قوم إن كان فيكم أحد يخالف الإسلام وأراد أن يسأل فليسأل غير محتشم فقام إليه عمــــران الصابيّ وكان واحداً من المتكلمين فقال : يا عالم النّاس لولا أنّك دعوت إلى مسألتك لم أُقـدم عليك بالمسائل ، فلقــــد دخلت الكوفة والبصرة ، والشام والجزيرة ، ولقيت المتكلّمين فلم أقع على أحـــد يثبت لي واحـــداً ليس غيره قائماً بوحدانيّته أفتأذن أن أسالك ؟ قال الرضا (ع) : إن كان في الجماعة عمران الصابيُّ فأنت هو ، قال : أنا هو ، قال : سل يا عمران ، وعليك بالنصفة وإيّاك والخطل والجور ، فقال : والله يـا سيّدي ما أريد إلاّ أن تثبت لي شيئاً أتعلّق به ، فلا أجوزه ، قال : سل عمّا بدا لـك .
فازدحم الناس وانضمَّ بعضهم إلى بعض ، فاحتج الرضا (ع) عليه وطال الكلام بينهما إلى الزّوال فالتفت الرضا (ع) الى المأمون ، فقال : الصلاة قد حضرت فقال عمران : يا سيدي لاتقطع عليَّ مسألتي فقد رقَّ قلبي قال الرضا (ع) : نصلّي ونعود ، فنهض ونهض المأمون ، فصلّى الرضا (ع) داخلاً وصلّى الناس خارجاً خلف محمد بن جعفر ، ثمّ خرجا فعاد الرضا (ع) إلى مجلسه ودعا بعمران ، فقال : سل يا عمران ، فسأله عن الصانع تعالى وصفاته وأُجيب إلى أن قال : أفهمت يا عمران ؟ قال : نعم يا سيّدي قد فهمت ، وأشهد أن الله على ما وصفت ، ووحّدت وأنّ محمداً عبده المبعوث بالهدى ودين الحقِّ ، ثمَّ خرَّ ساجداً نحو القبلة وأسلم .
قال الحسن بن محمد النوفليُّ : فلما نظر المتكلّمون الى كلام عمران الصابي وكان جدلاً لم يقطعه عن حجته أحد قطّ لم يدن من الرضا (ع) أحد منهم ، ولم يسألوه عن شيء ، وأمسينا ، فنهض المأمون والرضا (ع) فدخلا ، وانصرف الناس وكنت مع جماعة من أصحابنا إذ بعث إليَّ محمد بن جعفر فأتيته فقال لي : يا نوفلي أما رأيت ما جاء به صديقك ، لا والله ما ظننت أن علي بن موسى خاض في شيء من هذا قط ولا عرفناه به ، إنه كان يتكلم بالمدينة أو يجتمع إليه أصحاب الكلام ؟ قلت : قد كان الحجاج يأتونه فيسألونه عن أشياء من حلالهم وحرامهم فيجيبهم ، وربما كلم من يأتيه بحاجة .
فقال محمد بن جعفر : يا أبا محمد إني أخاف عليه أن يحسده هذا الرجل فيسمه أو يفعل به بلية ، فأشر عليه بالإمساك عن هذه الأشياء ، قلت : إذاً لا يقبل مني ، وما أراد الرجل إلاّ امتحانه ليعلم هل عنده شيء من علوم آبائه (ع) فقال لي : قل له : إن عمك قد كره هذا الباب ، وأحب أن تمسك عن هذه الأشياء لخصال شتى .
فلما انقلبت إلى منزل الرضا (ع) أخبرته بما كان من عمه محمد بن جعفر فتبسم (ع) ثم قال :
حفظ الله عمي ما أعرفني به لم كره ذلك ، يا غلام صر إلى عمران الصابي فائتني به فقلت :
جعلت فداك أنا أعرف موضعه وهو عند بعض إخواننا من الشيعة ، قال : فلا بأس فقرَّبوا إليه دابة ، فصرت إلى عمران فأتيته به ، فرحب به ودعا بكسوة فخلعها عليه ، وحمله ودعا بعشرة آلاف درهم ، فوصله بها .
فقلت : جعلت فداك حكيت فعل جدك أمير المؤمنين (ع) قال : هكذا يجب ، ثم دعا (ع) بالعشاء فأجلسني عن يمينه وأجلس عمران عن يساره ، حتى إذا فرغنا قال لعمران : انصرف مصاحباً وبكّر علينا نطعمك طعام المدينة ، فكان عمران بعد ذلك يجتمع إليه المتكلمون من أصحاب المقالات ، فيبطل أمرهــم حتى اجتنبوه ووصلــه المأمون بعشرة آلاف درهـــم ، وأعطاه الفضل مــالاً ، وحمله وولاه الرضـــــــا (ع) صدقات بلخ فأصاب الرغائب ) 44 .
وقصة استعداد الإمام لصلاة العيد التي أرهبت النظام دليل آخر على أن الإمام لم يترك فرصة إلاّ واستفاد منها لإعلان دعوته ، وبيان أنه الأحق بالخلافة من البيت العباسي .
( لما حضر العيد بعث المأمون إلى الرضا (ع) يسأله أن يركب ويحضر العيد ويخطب لتطمئن قلوب الناس ، ويعرفوا فضله ، وتقرّ قلوبهم على هذه الدولة المباركة ، فبعث إليه الرضا (ع) وقال : علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخولي في هذا الأمر ، فقال المأمون : إنما أريد بهذا أن يرسخ في قلوب العامة والجند والشاكرية هذا الأمر ، فتطمئن قلوبهم ويقرُّوا بما فضّلك الله تعالى به ، فلم يزل يرادّه الكلام في ذلك . فلما ألح عليه قال : يا أمير المؤمنين إن أعفيتني من ذلك فهو أحب إلي ، وإن لم تعفني خرجت كما كان يخرج رسول الله (ص) وكما خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) .
قال المامون : اخرج كما تحب . وأمر المأمون القوّاد والناس أن يبكروا إلى باب أبي الحسن (ع) فقعد الناس لأبي الحسن (ع) في الطرقات والسطوح من الرجال والنساء والصبيان واجتمع القوّاد على باب الرضا (ع) .
فلما طلعت الشمس قام الرضا (ع) فاغتسل وتعمم بعمامة بيضاء من قطن وألقى طرفاً منها على صدره ، وطرفاً بين كتفيه وتشمّر ثم قال لجميع مواليه : افعلوا مثل ما فعلت ، ثم أخذ بيده عكازة وخرج ونحن بين يديه ، وهو حاف قد شمّر سراويله إلى نصف الساق وعليه ثياب مشمَّرة .
فلما قام ومشينا بين يديه رفع رأسه إلى السماء وكبر أربع تكبيرات ، فخيل إلينا أن الهواء والحيطان تجاوبه ، والقوّاد والناس على الباب قد تزينوا ولبسوا السلاح وتهيأوا بأحسن هيئة ، فلما طلعنا عليهم بهذه الصورة حفاة قد تشمّرنا ، وطلع الرضا وقف وقفة على الباب وقال : " الله أكبر الله أكبر الله أكبر على ما هدانا ، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام ، والحمد لله على ما أبلانا " ورفع بذلك صوته ورفعنا أصواتنا .
فتزعزعت مرو من البكاء والصياح فقالها : ثلاث مرات فسقط القوّاد عن دوابهم ، ورموا بخفافهم ، لما نظروا إلى أبي الحسن (ع) وصارت مرو ضجة واحدة ولم يتمالك الناس من البكاء والضجة .
فكان أبو الحسن (ع) يمشي ويقف في كل عشرة خطوات وقفة يكبر الله أربع مرات فيتخيل إلينا أن السماء والأرض والحيطان تجاوبه ، وبلغ المأمون ذلك ، فقال له الفضل بن سهل ذو الرئاستين : يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس فالرأي أن تسأله أن يرجع ، فبعث إليه المأمون فسأله الرجوع فدعا أبو الحسن (ع) بخفه فلبسه ورجع ) 45 .
النهاية

التعليقات