خلاصة مسألة الرؤية
معنى مسألة الرؤية : هل يمكن أن نرى الله تعالى بأعيننا في الدنيا أو في الآخرة ؟
وقد نفى ذلك نفياً مطلقاً أهل البيت وعائشة وجمهور من الصحابة ، وبه قال الفلاسفة والمعتزلة وغيرهم ، مستدلين بقوله تعالى : ليس كمثله شئ ، لن تراني ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار . وبحكم العقل بأن ما يمكن رؤيته بالعين يلزم أن يكون وجوداً مادياً داخل المكان والزمان .
وقال الحنابلة وأتباع المذهب الأشعري من الحنفية والمالكية والشافعية : إن الله تعالى يرى بالعين في الدنيا أو في الآخرة . واستدلوا بآيات يبدو منها ذلك بالنظرة الأولى كقوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة . وبروايات رووها عن رؤية الله تعالى في الآخرة . كما حاولوا أن يؤولوا الآيات والأحاديث النافية لإمكان الرؤية بالعين .
متى ظهرت أحاديث الرؤية والتشبيه ؟
تدل نصوص الحديث والتاريخ على أن الجو الذي كان سائداً في صحابة النبي في عهده صلى الله عليه وآله وسلم وعهد الخليفة أبي بكر ، أن الله تعالى ليس من نوع ما يرى بالعين أو يحس بالحواس الخمس . .
لأنه وجود أعلى من الأشياء المادية فلا تناله الأبصار، بل ولاتدركه الأوهام وإنما يدرك بالعقل ويرى بالبصيرة.. ورؤيتها أرقى وأعمق من رؤية البصر .
ثم ظهرت أفكار الرؤية والتشبيه وشاعت في المسلمين في عهد الخليفة عمر وما بعده ، فنهض أهل البيت وبعض الصحابة لردها وتكذيبها . وقد فوجئت أم المؤمنين عائشة كغيرها بهذه المقولات الغريبة عن عقائد الإسلام، المناقضة لما بلغه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ربه تعالى ! فأعلنت أن هذه الأحاديث مكذوبة على رسول الله، بل هي فِرْيَةٌ عظيمة علىالله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن واجب المسلمين ردها وتكذيبها .
روى البخاري في صحيحه : 6/50 : ( عن مسروق قال : قلت لعائشة رضي الله عنها : يا أُمَّتَاه هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه ؟ فقالت : لقد قَفَّ شعري مما قلت ! أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب : من حدثك أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد كذب ، ثم قرأت : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ، وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب ، ومن حدثك أنه يعلم ما في غدٍ فقد كذب ، ثم قرأت : وما تدري نفس ماذا تكسب غداً ، ومن حدثك أنه كتم فقد كذب ثم قرأت : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك الآية ، ولكنه رأى جبرئيل عليه السلام في صورته مرتين ) .
وروى البخاري : 8/166 : ( عن الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت : من حدثك أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد كذب ، وهو يقول : لا تدركه الأبصار ، ومن حدثك أنه يعلم الغيب فقد كذب ، وهو يقول : لا يعلم الغيب إلا الله ) .
وروى نحوه في مجلد 2 جزء 4 ص 83 و مجلد 3 جزء 6 ص 50 وج 4 ص 83 .
وفي صحيح مسلم : 1/110 : ( عن عائشة : من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ) .
وروى نحوه النسائي في تفسيره : 2/339 وفي ص 245 : ( عن أبي ذر أن النبي رأى ربه بقلبه لا ببصره ) . وذكره في إرشاد الساري : 5/276 و 7/359 و 10/356 ، والرازي في المطالب العالية ، مجلد 1 / جزء 1 / 87 .
وروى الترمذي في سننه : 4/328 : ( عن مسروق قال كنت متكئاً عند عائشة فقالت : يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم الفرية على الله : من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله والله يقول : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ، وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب . وكنت متكئاً فجلست فقلت : يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني أليس الله تعالى يقول: ولقد رآه نزلة أخرى . ولقد رآه بالأفق المبين ؟ قالت : أنا والله أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا ، قال : إنما ذلك جبريل ، ما رأيته في الصورة التي خلق فيها غير هاتين المرتين ، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عِظَمُ خلقه ما بين السماء والأرض ، ومن زعم أن محمداً كتم شيئاً مما أنزل الله عليه فقد أعظم الفرية على الله ، يقول الله : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك . ومن زعم أنه يعلم ما في غدٍ فقد أعظم الفرية على الله ، والله يقول : لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله . هذا حديث حسن صحيح ، ومسروق بن الأجدع يكنى أبا عائشة ). انتهى .
ورواه الطبري في تفسيره : 27/30 وروى نحوه في ص 200 وقال في ص 20 : ( عن الشعبي قال قالت عائشة : من قال إن أحداً رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله ، قال الله : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار . فقال قائلو هذه المقالة : معنى الإدراك في هذا الموضع الرؤية ، وأنكروا أن يكون الله يرى بالأبصار في الدنيا والآخرة ، تأولوا قوله : وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة بمعنى انتظارها رحمة الله ) . انتهى .
وروى نحوه أحمد في مسنده : 6/49 وفيه : ( قالت سبحان الله لقد قَفَّ شعري لما قلت ). وروى نحوه البغوي في مصابيحه : 4/30. ورواه السهيلي في الروض الآنف : 2/156 . والنويري في نهاية الإرب مجلد 8 جزء 16 ص 295 وفيه : ( فقالت : لقد وقف شعري . . ) . وروى نحوه الثعالبي في الجواهر الحسان : 3/252 وقال : ( ذهب البيهقي إلى ترجيح ما روي عن عائشة وابن مسعود وأبي هريرة ، ومن حملهم هذه الآيات : ثم دنى فتدلى . . . عن رؤية جبرئيل ، ورواية شريك تنقضها رواية أبي ذر الصحيحة قال يا رسول الله هل رأيت ربك ؟ قال : نور ، أني أراه ! . . . قوله سبحانه : ما كذب الفؤاد ما رأى ، قال ابن عباس فيما روي : إن محمداً ( ص ) رأى ربه بعيني رأسه ، وأنكرت ذلك عائشة وقالت : أنا سألت رسول الله ( ص ) عن هذه الآيات فقال لي : هو جبرئيل فيها كلها ! )
وقال ابن جزي في التسهيل : 2/381 : ( وقيل الذي رآه هو الله تعالى ، وقد أنكرت ذلك عائشة ) .
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء : 2/166
( عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله تعالى ، ولكنه رأى جبريل مرتين في صورته وخلقه ساداً ما بين الأفق . ولم يأتنا نص جلي بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الله تعالى بعينيه وهذه المسألة مما يسع المرء المسلم في دينه السكوت عنها ، فأمّا رؤية المنام فجاءت من وجوه متعددة مستفيضة ، وأما رؤية الله عياناً في الآخرة فأمر متيقن تواترت به النصوص . جمع أحاديثها الدار قطني والبيهقي وغيرهما ) . انتهى .
وقال في هامشه : ( وأخرجه أحمد 6/241 من طريق ابن أبي عدي ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن مسروق قال : كنت عند عائشة قال قلت : أليس الله يقول: ولقد رآه بالأفق المبين ، ولقد رآه نزلة أخرى ، قالت : أنا أول هذه الأمة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فقال : إنما ذاك جبريل لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين رآه منهبطاً من السماء إلى الأرض ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض . وأخرجه مسلم ( 177) في الإيمان باب معنى قوله عز وجل : ولقد رآه نزلة أخرى ، من طريق الشعبي به . وأخرجه البخاري 8/466 من طريق الشعبي عن مسروق . . وأخرجه الترمذي ( 3278 ) في التفسير من طريق سفيان عن مجالد عن الشعبي . هذا حديث صحيح الإسناد ) . انتهى .
ولكن نفي عائشة يشمل الرؤية في الآخرة أيضاً كما أشار إليه الطبري ، ولذلك اضطر الذهبي وغيره إلى ارتكاب التأويل في حديث عائشة ، وفي آيات نفي الرؤية وأحاديثها ، مع أنهم حرموا التأويل في أحاديث إثبات الرؤية وصفات الله تعالى ، واستنكروه واعتبروه ضلالاً وإلحاداً ، كما سيأتي !
وقال الدميري في حياة الحيوان : 2/71 : ( نفت عائشة دلالة سورة النجم على رؤية النبي ( ص ) لربه وجواز الرؤية مطلقاً . . . وهو سبحانه أجل وأعظم من أن يوصف بالجهات ، أو يحد بالصفات ، أو تحصيه الأوقات أو تحويه الأماكن والأقطار ،ولما كان جل وعلا كذلك استحال أن توصف ذاته بأنها مختصة بجهة ، أو منتقلة من مكان إلى مكان ، أو حَالَّةً في مكان . روي أن موسى عليه السلام لما كلمه الله تعالى سمع الكلام من سائر الجهات . . . وإذا ثبت هذا لم يجز أن يوصف تعالى بأنه يحل موضعاً أو ينزل مكاناً ، ولا يوصف كلامه بحرف ولا صوت ، خلافاً للحنابلة الحشوية . . . )
النهاية

التعليقات