
على رأسها بالطبع تأتى الولايات المتحدة الامريكية التى تحشد العالم كله منذ بضعة أشهر لدعمها ومساندتها فى حملتها الاستعمارية الثالثة ضد العراق، التى تتذرع فيها بمكافحة داعش، بينما هدفها الفعلى هو حماية وجود وأمن وحدود الدولة الكردية الناشئة. وضمان ترسيم الحدود الجديدة فى العراق وسوريا وفقا لخرائطها هى، وليس لأى خرائط أخرى. بالإضافة بالطبع الى مصالحها الأصلية المقدسة فى النفط العراقى.
ولتعطيه مزيدا من الرضا والاعتراف الدولى، الذى لم يتوقف منذ ان قرر ان يبحث عنه من بوابة اسرائيل. فبذريعة مواجهة خطر التطرف الاسلامى والاخوان المسلمين وحماس والإرهاب فى سيناء، قام بتعميق غير مسبوق للعلاقات مع اسرائيل، واتخذ سلسلة من الإجراءات لحماية أمنها، إجراءات سبق ان رفضها نظام مبارك نفسه؛ مثل هدم الأنفاق تحت الأرض مع اغلاق المعبر فوق الارض. وإزالة مدينة رفح المصرية من الوجود لإنشاء المنطقة العازلة للفصل بين المصريين والفلسطينيين.
ولقد سارع هذا اليمين فور وقوع الحادث وبهدف تحقيق مكاسب سياسية وحزبية على حساب خصومه السياسيين، الى شن حملات منظمة ضد الإسلام والمسلمين. مطالبا بتطهير أوروبا منهم ومطاردتهم وتقييد حركتهم والحد من حقوقهم وحرياتهم. ووصل الأمر ان طالبت بعض الحكومات الأوروبية بالفعل بإعادة النظر فى اتفاقية "شنجن" بهدف إعادة المراقبة للحدود المشتركة ووضع القيود امام حركة وانتقال المواطنين كأحد الاجراءات الوقائية فى مواجهة الارهابيين الاوروبيين المحتملين.
ولا شك ان توظيف الحوادث واختراع الذرائع للعدوان علينا وعلى اوطاننا وثوراتنا ومقاومتنا وحرياتنا وحقوقنا، هو فن رفيع تفوق فيه الغرب وأتباعه على امتداد قرون طويلة.
وفى كتب التاريخ المدرسية العربية، سنقرأ عشرات القصص عن الذرائع التى استخدمت لتبرير احتلال الاقطار العربية فى القرن التاسع عشر مثل مذبحة الإسكندرية الشهيرة عام 1882، أو حادثة "مروحة" داى الجزائر مع القنصل الفرنسى عام 1827، وقصص أخرى كثيرة.
أما فى السنوات الأخيرة وقبل جريمة شارلى ابدو، فسنجد قائمة طويلة من الاعتداءات والجرائم والانتهاكات التى ارتكبت تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، مثل تثبيت انفصال كردستان عن العراق. و مثل التدخل الفرنسى فى مالى. وتجميد الاعمار فى غزة. وإجهاض حكومة التوافق الوطنى الفلسطينى. واستباحة الطائرات بدون طيار الأمريكية لسيادة وسماوات افغانستان وباكستان واليمن بحجة مواجهة تنظيم القاعدة الارهابى.
ولكن أخطرها بالطبع كان الغزو الامريكى لأفغانستان 2001 بذريعة مواجهة تنظيم القاعدة الارهابى منفذ عمليات تفجير البرجين. أو غزوها للعراق 2003، بذريعة تدمير أسلحة الدمار الشامل التى لم يظهر لها أثر بعد الغزو. وقبلها بسنوات قليلة كان معركة تحرير الكويت 1991، هى ذريعة الأمريكان لاحتلال الخليج العربى وإنشاء عدد من القواعد العسكرية فى السعودية ودول الخليج.
اما الذرائع الصهيونية لشن الحروب والاعتداءات على فلسطين والشعوب العربية منذ 1948 ، فحدث ولا حرج.
بل يذهب البعض الى ان أنظمة الحكم المستبدة تدبر بنفسها بعض العمليات الإرهابية على أراضيها، لتتخذها ذريعة لتثبيت حكمها وفرض قبضتها والانقضاض على المعارضة ومصادرة الحريات واتخاذ الاجراءات الاستثنائية وكسب تأييد الجماهير الخائفة.
ولكن على الرغم من كل ذلك، فإننا لم ننجح، الا فيما ندر، فى كشف العلاقة المباشرة بين جماعة أو عملية ارهابية بعينها وبين اجهزة الاستخبارات الغربية او الإسرائيلية او المحلية، وهو ما ينطبق فى حالتنا على عملية شارلى ابدو.
وقد يرفض الكثيرون تماما فكرة ان الإخوة كواشى وأمثالهم فى الداخل العربى او فى الخارج الغربى، هم عملاء لأجهزة مخابرات أجنبية، فالعميل من وجهة نظرهم لا يضحى بحياته.
بينما يذهب آخرون الى أن توظيف مثل هذه التنظيمات لا يتم بالتوجيه المباشر أو باللقاء وجها لوجه، وإنما يتم على الأغلب من خلال اختراق مخابراتى للمستويات العليا فى التنظيم أو الجماعة، أو بالاستدراج والتوريط والتوظيف فى صراعات ومعارك طائفية.
على أية حال وأيا ما كانت الحقيقة، فان الآثار والنتائج المباشرة لعملية شارلى وأخواتها دائما ما تسفر عن، وتؤدى الى، مزيد من الغزو والتدخل على المستوى الخارجى ومزيد من القهر والاستبداد على المستوى الداخلى.
التعليقات