إعلامياً.. لهذا لم يعد أحد يصدق "الرواية الإسرائيلية"

إعلامياً.. لهذا لم يعد أحد يصدق "الرواية الإسرائيلية"

هآرتس : لي - أون هدار

بعد فشل هجوم " تيت " الأمريكي في فيتنام عام 1968 تم إرسال وولتر کرونگایت ، المذيع التلفزيوني الأسطوري في شبكة " سي . بي.اس نیوز " ، إلى جنوب شرق آسيا من أجل إعداد سلسلة مقالات عن تورط أمریکا العسكري هناك . وبعد أن أوجز کرونکایت عبر البث التلفزيوني بأن الولايات المتحدة قد فشلت في فيتنام وأن الوقت حان لإعادة الجنود الأمريكيين إلى الوطن ، قال الرئيس الأمريكي في حينه ، لندن جونسون ، المستشاريه : " إذا كنا فقدنا کرونکایت نكون قد فقدنا الشعب الأمريكي " .

سواء كانت هذه أسطورة حضرية أم لا ، فإن هذا قد عكس أسلوب عمل وسائل الإعلام الأمريكية ، حتى عندما كنت أعمل مسؤولا صحافية في القنصلية الإسرائيلية في نيويورك بعد عقد على بث کرونکایت لذاك التقرير من فيتنام . في حينه ، كانت هناك ثلاث شبكات تلفزيونية كبيرة وهي " سي . بي.اس " و " ان.بي.سي " و " آي . بي . سي " ، التي شاهدت العائلات في أمريكا نشراتها الإخبارية في كل مساء ، وهكذا حصلت على صورة عما يحدث في العالم ، بما في ذلك الشرق الأوسط .

إذا كانت هذه الشبكات التلفزيونية على شاكلة کرونگایت قد رسمت صورة الواقع الأمريكي العادي في الغرب المتوسط ، فإن مجموعة من الصحف البارزة ، على رأسها " نيويورك تايمز " و " واشنطن بوست " و " وول سترین جورنال " و " لوس أنجلوس تايمز " و مجلات أسبوعية مثل " التايم " و " نيوزويك " ، ساعدت في وضع أجندة وتوجه تفكير متخذي القرارات ورجال الأعمال والنخبة في واشنطن ونيويورك وهوليوود وبوسطن . بدرجة معينة ، كان عمل رجال الدعاية الإسرائيلية في الولايات المتحدة سهلا بشكل نسبي . كان الهدف شرح ما يحدث في البلاد لمجموعة غير كبيرة من الصحافيين والمحررين والمذيعين والمخرجين الذين كانوا يتركزون في مانهاتن ( من بينهم مايك والاس من " سي . بي . اس " ، وبربارة وولترز من " آي . بي . سي " ، وایف م . روزنطال من " نيويورك تايمز " ودافيد برودر من " واشنطن بوست " ) ، والحفاظ على التواصل معهم وضمان قدرتهم على الوصول إلى زعماء إسرائيل .

إن جميع رجال الإعلام هؤلاء كان جلهم تقريبا من البيض ، وعدد كبير منهم كانوا من اليهود . الجيل الأول أو الثاني كانوا أبناء مهاجرين من أوروبا . مناحيم بيغن ذكرهم بآبائهم ، أتذكر مذيعة مشهورة انفعل إلى درجة ذرف الدموع عندما وافق بيغن على التوقيع له على تهنئة بعيد ميلاد والده " . وشمعون بيرس كان في نفس جيلهم ، وكانت له خلفية ثقافية مشابهة . بعضهم انتقد سياسة إسرائيل ، لكن في نهاية المطاف ، كانت زيارة إسرائيل أو الثرثرة مع إسرائيليين بمثابة تجربة عائلية ، حتى لو لم تكن توافق على أي قرار الحكومة إسرائيل .

بسبب ذلك ، لم يكن مفاجئا أن يكون الجواب كالآتي ، عندما اقترحت . في حينه . إجراء اتصال ثابت مع المحررين والمراسلين في الصحف السوداء في نيويورك : من الذي يحتاجهم ، نحن نعمل مع النجوم الأوائل في الصحافة الأمريكية " .

ولكن التغطية الإيجابية التي ما زالت تحظى بها إسرائيل في وسائل الإعلام الأمريكية في العقدين الأخيرين من القرن السابق ، عكست البنية المتجانسة لوسائل الإعلام في تلك الفترة ، بل والموقع الاستراتيجي للصحافيين الذين يؤيدون إسرائيل ، أيضا . ليس الوسيط هو العامل الحاسم لتسويق المنتج دائما ، فللرسالة دور مهم ، وفي هذا السياق كانت “ رواية إسرائيل " تحظى بالشعبية ببساطة ، جيل من الأمريكيين المسيحيين ، حتى العلمانيين من بينهم ، تربوا على قصص التوراة ، وكانوا يعرفون عن كارثة يهود أوروبا وعن الصراع الوجودي الإسرائيل أمام عالم عربي معاد ، جيل شعر بالتعاطف مع إسرائيل ولم يعرف عن الفلسطينيين .

من هذه الناحية ، لم يكن هناك أي حاجة إلى تجنيد مكاتب علاقات عامة لمديسون أفنيو ، أو قصف الولايات المتحدة بالدعاية من أجل تسويق إسرائيل للأمريكي العادي ، الإنجليزية الطليقة لأبا إيبان ساعدت . ولا يمكن القول إن فيلم " الإكسودس " ( الخروج ) هو المسؤول عن غسل أدمغة الأمريكيين : كان المشاهد الأمريكي على استعداد لالتقاط الرسالة الصهيونية لهذا الفيلم.

إسرائيل بكيبوتساتها وقيادتها التقدمية حظيت بفترة طويلة من التعاطف في أوساط اليسار الأمريكي . ایزي دور في . ستون ، وهو أحد أيقونات الصحافة اليسارية في أمريكا ، أرسل في العام 1947 لمجلة " ذي نیشن " مقالات متعاطفة عن المتسللين اليهود الذين يصارعون السلطات الإمبريالية البريطانية ، في حين أن صحف اليمين هاجمت قيادة الصهيونية . بعد ذلك ، اتهمت صحيفة " وول ستريت جورنال ” المحافظة ، إسرائيل بأنها تخدم السوفييت بعد أن قامت باختطاف آيخمان .

في بداية الثمانينيات كان ستون أشد المنتقدين لإسرائيل ، بل وقارن سیاستها تجاه الفلسطينيين بسياسة بريطانيا تجاه المتسللين اليهود . جاءت حرب لبنان الأولى والانتفاضات ، وبدأت “ رواية إسرائيل " تتغير بشكل دراماتيكي ، وهي تعكس الواقع الجديد الأخذ في التشكل ، هذا لم يكن نتيجة دعاية إسرائيلية سيئة ، بل كان جزء من عملية تدريجية لم تتساوق الرسالة الإسرائيلية فيها مع الواقع ، والأكثر أهمية مع صورة العام الأجزاء في أوساط الشعب الأمريكي . في النهاية ، يصعب أن تبيع الثلج لسكان الإسكيمو .

كل ذلك حدث عندما جرت عمليات ديمغرافية وسياسية مهمة جدا في أمريكا : لم يكن المهاجرون من الدول غير الغربية شركاء في الأحاسيس المؤيدة لإسرائيل كما لدى الأغلبية البيضاء . وشعرت النخبة السوداء بالتماهي مع الفلسطينيين ، وبدأ الجيل الذي عرف الكارثة وإقامة إسرائيل بفقدان قوته السياسية .

في الوقت نفسه ، حدثت ثورة تكنولوجية في وسائل الاتصال . وبدلا من شبكات التلفزة الثلاث ، تم إنشاء عشرات قنوات الكوابل ، التي توجهت إلى شرائح مختلفة من السكان . لم يعد الجمهور الأمريكي يوافق كأمر مسلم به على صورة العام التي قدمها لهم الكرونكايتيون على أشكالهم . وجلبت الى " سي.ان.ان " و " فوكس نیوز " صورة مختلفة عن العالم . العمليات الديمغرافية أيضا أدت إلى صعود جيل جديد من الصحافيين والصحافيات ، بما في ذلك شباب سود وملونون ويهود ليبراليون ، الذين يتماهون مع السناتور بيرتي ساندرز أكثر مما يتماهون مع بنيامين نتنياهو . خط " نيويورك تايمز ” الآن ورئيس التحرير الأسود دین باکت ، يعكس هذه التغييرات وهو يختلف كليا عن خط الصحيفة التي كان رئيس تحريرها روزنتال .

عندما تتم إضافة إلى الصورة التغييرات الكبيرة في وسائل الإعلام في عصر الإنترنت والشبكات الاجتماعية ستظهر غير جدية ، بل وتثير الشفقة تلك الفكرة القائلة بأن عملية دعاية متطورة ستغير صورة إسرائيل في الإعلام الأمریکي .

تواصل إسرائيل التمتع بتغطية متعاطفة في " فوكس نيوز " وفي قنوات إعلام يمينية ، لنفس السبب الذي تواجه فيه صعوبة في تسويق رواية إسرائيل في " سي ان ان " و " نيويورك تايمز " : هذه هي الرسالة والسياسة التي تعكسها ، أيها الغبي .

تابعنا

إعلامياً.. لهذا لم يعد أحد يصدق "الرواية الإسرائيلية"

0

التعليقات

أضف تعليقك

أخبار ذات صلة

آخر الأخبار

متحدث الحرس الثوري: بإذن الله سنصحبح القوة العظمى في العالم

الخارجية الايرانية: مواقف الدول الأوروبية بشأن العدوان على إيران متناقضة وغير مسؤولة

رئيس السلطة القضائية يلتقي قائد الثورة الإسلامية

بزشكيان: الأعداء أخفقوا في مخططاتهم رغم محاولات فرض الحرب وشل حركة البلاد

ضربات استباقية للحرس الثوري تستهدف جماعة كومله في باليسان

رويترز تنفي مزاعم ترامب بشأن هدوء الأوضاع في مضيق هرمز وحركة السفن بشكل طبيعي

المتحدثة باسم الحكومة: إيران لن تستأذن أحداً للدفاع عن نفسها

إيران: صمت العالم إزاء الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية أمر مخزٍ

بزشكيان: يجب أن نتجاوز حالة "اللاحرب واللا سلم"

تداعيات حرب إيران على مكانة ترامب/ من وعود القوة إلى تراجع الشعبية

رئيس الاركان الايرانية: سنُعطّل أسلحة العدو الباهظة بمعدات رخيصة

بزشكيان: نأكل التراب ولا نتنازل عن ذرة واحدة من ارضنا

رضائي: لن تخرج حتى ذرة واحد من المواد النووية المخصبة من ايران

حرس الثورة: انفجار ناقلة نفط عملاقة مخالفة جنوب مضيق هرمز

الشيخ عيسى قاسم يدعو إلى وحدة الأمة الإسلامية في مواجهة المخاطر