
الجاهليون وجدوا أنفسهم بعد أن جاءهم النبي الخاتم (ص), وبعد عناء طويل, ومصارعة مع الرفض الشديد لفكرة ان يعرف الإنسان قيمة نفسه في ذلك الوقت. اكتشفوا ان خلاصهم يكمن في عودتهم الى إنسانيتهم, والعيش معاً وفق ما تقتضيه تلك الإنسانية من احترام للدماء وتقبل للآخر بعيوبه. سنوات طويلة من الآمان والانتعاش الحضاري والاقتصادي عاشتها العرب تحت ظل قيادة الرسول الذي أيقظ فيهم روح الإنسان المكافح والمتحرك في مجتمعه.
العرب ينتكسون مرة أخرى ويبحثون الان بعد وفاة نبيهم عن روح الجاهلية!! انهم يكتشفون وسائل اشد فتكاً بأنفسهم ومجتمعهم. المؤامرات.. المكائد.. الحروب الباردة اكتشافات رهيبة. اما مجتمعاتنا اليوم فقد جمع بين الأسلوبين معاً.. بين الجاهلي الذي كان يعتمد القتل وسفك الدماء, والآخر الذي كان يعتمد التآمر والحروب الباردة.
بعض المفكرين ورجال الدين يروّن ان سبب ذلك العنف الطائفي والاقتتال الذي تعيشه الأمة اليوم, وابتعادها عن محتوى الدين الحقيقي الذي أحدث ثورة حضارية في الجزيرة العربية آنذاك؛ هو الفترة التي فصلت بيننا كمجتمعات وبين شخصية النبي كقائد. لكننا نعتقد ان السبب هو عجز المجتمع اليوم عن فهم الدين كمنظومة حضارية الهية كما طرحها وروج لها النبي (ص).
ورجال الدين وخطابهم القشري هو الآخر سبب لا يقل أهمية عن بقية الأسباب الأخرى, فمنهم من يصور للمجتمع ان الدين الإسلامي مجرد حوادث تاريخية, وآخر يرى انه مجرد طقوس عبادية, ومناضرات وجدال كلامي لرد الشبهات. بينما يغفل اغلبهم عن فهمه كوسيلة لخلاص الإنسان وبناء حضارته.
مؤتمرات التقريب بين المذاهب والأديان التي تقام هذه الفترة في بلدان مختلفة, ينبغي ان تركز قبل كل شيء على ان الدين وسيلة للنهوض بالفرد والمجتمع, لا لتفريقه وشحنه بالفكر الطائفي. اليوم ستشهد مدينة النجف الاشرف مؤتمراً يفترض ان يحمل الهدف ذاته. السيد مقتدى الصدر جعل من مناسبة ذكرى ولادة الزهراء (ع) عنواناً للحوار و الوحدة.
مؤتمر "فاطمة الزهراء الدولي السنوي الثاني لحوار الأديان والتقارب" اتمنى ان لا يخلوا من رجال دين منفتحين ومتحررين من قيود المذهبية يخرجوا بتوصيات ترسي دعائم التعايش واحترام الإنسانية التي جاء بها ديننا الإسلامي السمح. أتمنى أيضا ان يخلو هذا المؤتمر من الشخصيات الدينية المتطرفة -او من يمثلهم- والتي تلوح بالثأر من الذين يختلفون معهم.
100 شخصية من مختلف الأديان والبلدان العربية والإسلامية والأجنبية وصلت الى النجف, ونرجو منها ان لا تكون قد جاءت لتظهر للإعلام انها شخصيات مستعدة للحوار في أي وقت, بل من اجل ان تسعى الى لملمة شتات الأمة الإسلامية الضائعة, وان تحد من النفس الطائفي المستشري, والذي بسببه تسفك الدماء وتهتك الأعراض.
أتمنى ايضاً ان يكون الرسول حاضراً بين تلك الشخصيات, وان يكون القرآن خطابهم ومرجعهم الأول لكي يكون حكماً وحجة على الجميع لكي نعيد لهذه الأمة إنسانيتها الضائعة.
التعليقات