أما ما يعانيه شعبنا الأبي في البحرين فقد فاق حدّ الاحتمال بعد أن انتشر الفساد وعمّ أجهزة الحكم وإدارات ومرافق الدولة وتحولت السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية إلى هيئات شكلية وظلت الهيمنة والإدارة الفعلية بيد الطاغية الذي نصّب نفسه حاكما مطلقا وجعل من نفسه ذاتا لا تمس وأطلق أيدي زبانيته ومرتزقته لتهجم على الأحرار والمدنيين العزل وتضرب المحتجين المسالمين في الشوارع بالغازات الخانقة ورصاص الشوزن الانشطاري والرصاص المطاطي وتداهم البيوت وتعيث فيها فسادا وتروع الأطفال والنساء. لقد فاق الطاغية الحالي أسلافه الماضين ولم يكتف بإفقار شعب البحرين وتهميشه وقمعه بل سعى لاستهدافه في أصل وجوده وقام بجلب الآلاف من بعض الدول الإقليمية والعربية ومنحهم الجنسية بطريقة غير شرعية بقصد تغيير التركيبة السكانية للبحرين بمكونيها الأساسيين السنة والشيعة وزرع أولئك المجنسين والمرتزقة في أجهزة ووزارات الدولة السيادية وغيرها وزودهم بالأموال المنهوبة من الشعب ووفر لهم المساكن وأتاح لهم كل الفرص مقدما إياهم على المواطنين الأصليين. كما إن العصابة الحاكمة أباحت لنفسها أرض البحرين وبحرها دون رادع فلم تبق بقعة أو مساحة إلا ولها فيها نصيب حتى غصت البحرين بأهلها في وقت تملّك فيه الحاكم "حمد آل خليفة" ونظامه جزرا كاملة بعينها واحتل ثلاثة أرباع البلاد من الأراضي جنوبا معتبرا أنها ملك خاص له دون بقية أفراد الشعب. وحاليا يتعذر على عامة المواطنين الوصول إلى البحر بحرية إذ تحولت البحرين وهي جزيرة إلى سواحل خاصة ومغلقة يستفيد منها كبار أفراد العائلة الحاكمة والمحسوبين عليها. وليعلم الرأي العام العالمي بأن الأجهزة الأمنية تعج بقوات غير بحرينية لا تنتمي لهذه الأرض وظيفتها الوحيدة هي قمع المواطنين والتنكيل بهم. ونحن نتساءل عما إذا كان هناك نظام آخر غير النظام الحاكم في البحرين يستقوي بالمرتزقة الأجانب على شعبه بحيث يشكلون غالبية كبيرة في قواته المسلحة؟
وبالنسبة إلى المحاكمة الماراثونية الجارية لرموز ونشطاء المعارضة بتهمة زعزعة الأمن والاستقرار والإرهاب فهي من أكثر المسرحيات هزلا وسخرية وفيها ما يكفي لإدانة النظام الذي أظهر من خلالها أنه نظام رجعي متخلف لا يحترم القوانين ولا الدستور حتى وإن كان هو بنفسه من كتبه ليرعى مصالحه! إن تسع جلسات متوالية لم تنجح في تقديم دليل مقنع واحد يدين النشطاء رغم التعذيب الوحشي وترهيب المحامين الذي فضلوا الإنسحاب ولم يرتضوا مخالفة أخلاقيات المهنة والمشاركة في المحاكمة الصورية ذات الأحكام المسبقة والفاقدة لأبسط معايير الاستقلالية والعدالة. لقد قام جهاز الأمن الوطني المجرم وبأوامر مباشرة من الطاغية وكبار مسئوليه بحملة قمعية كبيرة مطلع شهر رمضان في أواسط شهر أغسطس آب 2010 داهم من خلالها فجرا منازل المواطنين واعتقل بطريقة عنيفة مئات الشبان واقتادهم إلى غرف التعذيب مستخدما الكهرباء والفيلقة والضرب بالعصي ونزع الملابس والتحرش الجنسي لانتزاع اعترافات غير واقعية من المعتقلين وإجبارهم على التوقيع عليها دون حضور محام معهم في أروقة النيابة وتعريض من يرفض التوقيع منهم لوجبة تعذيب إضافية في المكان نفسه وأمام نظر وكلاء النيابة وبعلم منهم وكذلك القضاة حيث يشاهدون آثار الضرب على أجسام المعتقلين وتشكل تلك الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب دليل إدانة يحاكم النشطاء بناء عليها وقد صدرت بحق عدد منهم أحكام مشددة وصلت إلى المؤبد كما هو حال معتقلي المعامير في قضية قتل الباكستاني شيخ محمد رياض، وطالت تلك الأحكام أطفالا دون الثامنة عشرة من العمر.
إن "حق" تؤكد أنه يجب إيقاف النهج الذي يسير عليه النظام من إهدار واستباحة لحقوق الإنسان واعتماد العنف والقوة العسكرية واستخدام وسائل التعذيب في مواجهة المطالب الشعبية المشروعة للبحرينيين وضرورة تقديم الجلادين ومسئوليهم لمحاكمة علنية عادلة.
إننا نرفض دستور 2002 الذي سلب حق التشريع والرقابة من المجلس المنتخب ومنح المجلس المعين صلاحيات تشريعية خلافا لتعهدات الحاكم في الميثاق، كما صادر دستور 2002 غير الشرعي حق استجواب رئيس الوزراء الذي كان مقررا في دستور 1973. لقد طالب اثنان وثمانون (82) ألف مواطن بحريني في العريضة الشعبية المرفوعة للأمم المتحدة عام 2006 بحقهم في كتابة دستور دمقراطي عصري يضمن الحريات ويسمح بالتعددية ويحترم حقوق الإنسان وينص على المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية تتولى إعداده هيئة منتخبة ويعرض على الشعب للتصويت عليه في استفتاء عام.
إنّ ما شهدته تونس وما تشهده مصر في الوقت الراهن يهدم مقولة استحالة أو صعوبة التغيير وعدم إمكانية الشعوب الحرة في تقرير مصيرها كما أثبتت هاتين التجربتين عجز الدول الكبرى عن فرض أجندتها وخياراتها على الشعوب التي تمتلك الإرادة القوية وتصرّ على نيل مطالبها المشروعة في الاستقلال والحرية والتنمية والحياة الكريمة. وما هذه الدعوات التي تنطلق في 14 فبراير القادم تحت عنوان يوم الغضب إلا مبادرة طبيعية معبرة عن حركة الشباب وإيمانهم بقضاياهم المصيرية تنطلق من شعورهم الصادق بعيدا عن التحزبات والتوجهات الفئوية وهو ما يمكن أن يشكل إجماعا وطنيا بما يمتلكه الشباب من وعي وحماس يسهم في رسم معالم جديدة لاسترجاع الحقوق والكرامة للأمة.
نحيّي المعتقلين الأبطال الشرفاء وأهاليهم الصابرين ونقف إلى جانبهم ولن نتراجع أو نفرط في المطالب التي آمنوا بها ورفعوها وسجنوا وعذبوا من أجلها.
وما ضاع حق وراءه مطالب،،
4 فبراير2011
التعليقات