خديعة القرن

فهمي هويدي
خديعة القرن
شبكة تابناك الاخبارية: كتب الاستاذ فهمي هويدي في مقال له: ما عاد لدينا شك الآن في أن ما سمى بمحاكمة القرن التي انتهت بتبرئة الرئيس الأسبق حسني مبارك وأعوانه لم تكون سوى خديعة القرن، وهو ما يسوغ لى أن أقول بأن وصفها بأنها محاكمة القرن لم يكن سوى جزء من الخديعة، أريد به إيهامنا بأننا مقبلون على حدث جلل غير مسبوق.

وبعد مضى أكثر من ثلاث سنوات حفلت بالإثارة والترقب (المحاكمة بدأت في 3 أغسطس عام 2011) تبين أن الأمر لم يكن سوى فرقعة كبرى أحدثت العكس تماما.

إذ لم تسفر عن تبرئة المسئول عن تدمير مصر وتقزيمها طوال ثلاثين عاما فحسب، ولكنها حاكمت وأدانت الثورة التي انتفضت ضده وأجبرته على التنحي.

ليس ذلك فحسب وإنما فتحت تلك البراءة الأبواب لعودة رموز نظامه والمنتفعين به لاحتلال مواقعهم.

وكان الإعلام الخاص والقوى المختفية وراءه هو الباب الذي تسللوا منه إلى المجال العام.

صحيح أن البراءة تمت بالحكم الذي صدر في 27 سبتمبر، إلا أن ذلك لم يوقف الدهشة والصدمة التي عبرت عن نفسها في أصداء لم تتوقف.

وكان من أهمها في الآونة الأخيرة ما قاله الأستاذ محمد حسنين هيكل في الحوار التليفزيوني الذي أجرته معه الإعلامية لميس الحديدى يوم الجمعة الماضى (12/12).

وأدان فيها فكرة محاكمة مبارك بقوانينه ورجاله ووصفها بالمحاكمة «الغلط»، التي كان ينبغي أن تكون سياسية بالأساس.

نكأ كلام الأستاذ هيكل جراحا عدة، في هذا الموضوع وفي غيره، وهو بذلك فتح ملف المحاكمة والملابسات المريبة التي أحاطت بها.

وقد اختزل تلك الملابسات في قوله إنها تمت استنادا إلى قوانين نظام مبارك ومن خلال أجهزته ورجاله.

إلا أن هذه النقطة الأخيرة تفتح ملفا آخر لا يقل خطورة يتعلق بالكيفية التي تم من خلالها تفريغ قضية مبارك من أدلة إدانته هو ومعاونيه، الأمر الذي أريد له أن ينتهي بتبرئة الجميع.

وهو ما يثير العديد من الأسئلة الشائكة التي يتعذر التوصل إلى إجابة شافية عليها في الأجواء الراهنة لأسباب عديدة أهمها أن العوامل التي أدت إلى إضعاف قضية مبارك وتفريغها من أدلة إدانته هو ومعاونيه لم تتغير.

بل أضيفت إليها عوامل أخرى استجدت بعد عزل الدكتور محمد مرسي من منصبه جعلت الأمر أكثر تعقيدا وصعوبة.

وهو ما أضاف أسئلة أخرى تخص الوقائع التي تلاحقت بعد ثورة 25 يناير 2011 وأفضت إلى ما وصلنا إليه الآن، وإذ تعذرت الإجابة الشافية على الأسئلة المثارة فيما نحن بصدده إلا أن ذلك لا يمنع من توجيه بعض تلك الأسئلة وإيراد بعض الملاحظات حول مسار القضية، على النحو التالي:

* لماذا تم استبعاد تقرير لجنة تقصى الحقائق التي شكلها رئيس الوزراء في عام 2011 للتحقيق فيما جرى أثناء الثورة، وكانت برئاسة المستشار عادل قورة الرئيس الأسبق لمحكمة النقض.

وهو التقرير الذي قرر مسئولية الشرطة عن قتل المتظاهرين، وأكد أن أمرا صدر من وزير الداخلية وقيادات الوزارة باستعمال السلاح النارى في تفرقة المتظاهرين؟

وهو ما يستدعى سؤالا آخر هو من الذي أمر بدفن ذلك التقرير واعتباره كأن لم يكن؟

وأين ذهبت التسجيلات والوثائق وأصول التحقيقات التي جمعتها اللجنة أثناء عملها واستندت إليها فيما خلصت إليه من نتائج أدانت موقف وزير الداخلية الذي ما كان له أن يأمر بإطلاق النار على المتظاهرين إلا بموافقة رئيس الجمهورية الذي هو رئيس المجلس الأعلى للشرطة؟

* لماذا خرج القاضى الذي حاكم مبارك وأعوانه على ما هو متبع في القضاء الجنائي، حين لم يحقق بنفسه في الوقائق المنسوبة إلى المتهمين، واكتفى بتحريات الشرطة وشهادات الشهود الذين كانوا جزءا من النظام السابق والموالين له.

ولم يلتفت القاضى إلى تقرير لجنة تقصى الحقائق الذي سبقت الإشارة إليه، بل لم يستدع أحدا من أعضاء اللجنة شبه القضائية التي قامت بإعداده وسجلت معلومات مناقضة تماما لما قدمته التحريات وأدلى به الشهود الآخرون.

في حين كان ذلك ضروريا لكى يتحقق بنفسه من الأدلة المعروضة عليه. وتلك من بديهيات التقاضي المستقرة في الدعاوى الجنائية.

وكانت النتيجة أنه بتجاهله لوجهة النظر الأخرى في الوقائع المعروضة فإنه قيد نفسه بتحقيقات لم يجرها بنفسه، الأمر الذي يجرح حكمه وينسب إليه فساد الاستدلال، باعتبار أنه اعتمد على أدلة لا حجية لها.

* بعد سقوط نظام مبارك وإزاء الشك في جدوى محاكمته استنادا إلى القوانين التي أصدرها نظامه. تواترت الدعوة إلى تطبيق قواعد العدالة الانتقالية.

وكان مفهوما آنذاك أنه سيتم اللجوء إلى التدابير القضائية وغير القضائية التي اتخذتها دول أخرى لمعالجة الانتهاكات الجسيمة والجرائم التي ارتكبتها بعض الأنظمة. وورثتها لأنظمة أخرى حريصة على أن تتطهر من مخلفات المرحلة السابقة.

وهو ما حدث في أقطار أخرى يذكر منها عادة ما جرى في جنوب أفريقيا بعد سقوط نظام التمييز العنصرى في أوائل التسعينيات وما حدث في الأرجنتين حين سقط حكم العسكر الاستبدادى في ثمانينيات القرن الماضى وانتقل البلد إلى الحكم المدني الديمقراطي.

فهمنا آنذاك أن برنامج العدالة الانتقالية سيشمل أمورا عدة من قبيل رفع الدعاوى الجنائية ضد المسؤولين عن الانتهاكات، وتشكيل لجان الحقيقة التي ستتولى التحقيق في الانتهاكات ومحاولة إزالة آثارها، ثم وضع خطط للتعويض فيما سمى بجبر الضرر وهي تشمل التعويض المادى والأدبى والاعتذار للضحايا.

وإلى جانب كل ذلك تمضى خطوات الإصلاح المؤسسى الهيكلي والقانوني. التي تشمل الجهات التي أسهمت في الانتهاكات، التي تشمل القطاع الأمني والمؤسسات العسكرية والشرطة والقضائية وغيرها.

ذلك كله فهمناه ووعدنا به. لكن الذي حدث أن التشكيلة الوزارية ضمت في عام 2013 وزيرا للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية (المستشار أمين المهدى) وفي العام التالى شكلت حكومة ضمت وزيرا للعدالة الانتقالية ومجلس النواب. لكن أيا منها لم يفعل شيئا لإنجاز الوعد.

إذ صار عندنا وزير ووزارة للعدالة الانتقالية، لكن العدالة ذاتها لم تتحقق. وهو ما يسوغ لنا أن نضيف إلى ما سبق سؤالا آخر هو: من الذي ضحك علينا واستغفلنا طوال تلك المدة؟

النهاية

تابعنا

خديعة القرن

0

التعليقات

أضف تعليقك

أخبار ذات صلة

آخر الأخبار

كل الأيام والساعات أصبحت أيام صمود ومقارعة الشيطان الأكبر

عمدة نيويورك: التغييرات السياسية في أمريكا بدأت للتو

قاليباف: الخيانة لإرادة الشعب الأمريكي ستكون كابوسًا لواشنطن

رضائي: الردّ الأميركي على حقوق إيران ومطالبها لم يكن مقنعاً

طبيب غزة يفوز بمقعد في مجلس النواب الأمريكي عن ولاية نيوجيرسي

خطيب زاده: إيران لم ولن تسعى لامتلاك أسلحة نووية

نيكزاد: وثائق "وكر التجسس" تثبت أن عداء أمريكا لإيران هو عداء حضاري

ترامب يقر: إيران كانت عاملاً في هزيمة الجمهوريين

الإيرانيون يحيون ذكرى الرابع من نوفمبر بهتافات مناهضة للاستكبار في مختلف أنحاء البلاد

الحرب مع إيران ونهاية عصر الهيمنة الأمريكية

يحيى سريع: السعودية لجأت إلى العدو الإسرائيلي لمواجهة شعبنا

اشتعال النيران في ثلاث ناقلات نفط مخالفة في مضيق هرمز فجر اليوم

تدمير طائرتين مسيّرتين من طراز لوكاس في بندر خمير

لابيد: يجب إقصاء نتنياهو عن السلطة

ارتفاع عدد شهداء حرب غزة إلى 74 ألفًا و615 شخصًا